أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

117

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

الثاني : ذكر مصرعه عند الموت ، وهو الذي ينسيه كل شيء من دنياه ويجهد في الخلق إذ لا ينفعونه في ذلك المحل بشيء ، وبحسب ذلك يعمل فيما يرضي الحق دونهم ، ويقابلها نسيان الأجل وبعد الأمل ، وهو مفتاح خوف الخلق ، وهم الرزق ، وهما أصل كل بلاء في الدنيا وكل محنة في الآخرة ، أعاذنا اللّه منهما بكرمه . الثالث : ذكر وحشة القبر وهو الذي ينسيه أنس كل أنيس إلا من حيث يستشعر أنسه بمعاملة إذ ذاك ، فلا يصحب إلا أولياء اللّه ، ولا يجتمع إلا حيث يرجو ثواب اللّه ، ويقابله شمول الغفلة ، والاغترار بأيام المهلة ، وهو مفتاح ترك العمل ، والتراخي عنه ، والفكر فيه ، وطلب الرياسة وظهور البدع ، لأن قصده أن يقضي من الدنيا غرضه ولا عليه مما وراء ذلك ، نسأل اللّه السلامة . الرابع : ذكر وقوفه بين يدي اللّه ، وهو الذي يوجب أن لا يتحرك حركة ولا سكنة إلا باللّه وللّه ، فيتبع الشرع في جميع حركاته ، ويحاسب نفسه في جميع حالاته ، ويستحي من مولاه في عموم أوقاته ، ويقابله الجرأة على اللّه ، والاغترار به مع ظنه أنه راج فيه ، وقد صحّ أن كل راج طالب ، وكل خائف هارب . وقال الحسن رضي اللّه عنه : إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى لقوا اللّه وليست لهم حسنة ، يقول أحدهم : أحسن الظن بربي وكذب ، ولو أحسن الظن بربه لأحسن العمل له ، وتلا قوله تعالى : وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) [ فصّلت : 23 ] ومن أجمع الوصايا قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اتق اللّه حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن » « 1 » وقال عليه الصلاة والسلام « كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون » « 2 » وقيل للحسن : الرجل يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب إلى متى ؟ قال : ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين . وقال عليه الصلاة والسلام : « ما أصر من استغفر ولو في اليوم سبعين مرة » « 3 » والاستغفار طلب المغفرة ، ولو دون تندم وانكسار ، والإقلاع توبة .

--> ( 1 ) رواه الترمذي في سننه ، كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في معاشرة الناس ، حديث رقم ( 1987 ) . ورواه الدارمي في سننه ، كتاب الرقاق ، باب في حسن الخلق ، حديث رقم ( 2792 ) ورواه غيرهما . ( 2 ) أورده المنذري في الترغيب والترهيب وذكر تخريجه ، حديث رقم ( 4750 ) [ ج 4 ص 46 ] . ( 3 ) رواه أبو داود في سننه ، كتاب الصلاة ، باب في الاستغفار ، حديث رقم ( 1514 ) ورواه البيهقي في سننه الكبرى ، باب جماع أبواب من تجوز شهادته ، حديث رقم ( 20555 ) [ ج 10 ص 188 ] ورواه غيرهما .